نصر حامد أبو زيد

166

الاتجاه العقلي في التفسير

أخرى للقاسم الرس بعنوان « كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن اللّه الواحد الحميد » يتعرّض لمناقشة الآيات القرآنية التي يستدل بها كل من المشبهة والمجبرة ، ويؤولها تأويلا يتفق مع أصول الفكر الاعتزالي وهي كلها تأويلات تخضع لذلك القانون العام ، قانون رد المتشابه إلى المحكم ، وهو يعرض للآيات المتشابهة التي يستند إليها المشبّهة ، ثم يؤول هذه الآيات كلها آية آية حسب معتقد المعتزلة في التنزيه ونفي مشابهة اللّه للبشر . يقول « وتأوّلت أيضا المشبّهة قول اللّه ، تبارك وتعالى : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وقوله : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ، وقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، وقوله : سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، وقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، ففسروا ذلك على ما توهموا من أنفسهم وبأن اللّه ، عز وجل ، عندهم في ذلك على معاني المخلوقين وصفاتهم في هيئاتهم وأفعالهم ، فكفروا باللّه العظيم ، وعبدوا غير اللّه الكريم » 109 . ويهمنا أن نتوقف عند تأويل القاسم الرسى لبعض هذه الآيات لنرى نمو الطريقة الجدلية في التأويل عمّا وجدناه عند الحسن البصري والفراء ، وهو نمو يكشف عن الارتباط الكامل بين قضايا التأويل والمحكم والمتشابه والفكر الاعتزالي عامة . ومعظم هذه الآيات سبق أن تعرّضنا لها عند أبي عبيدة والفراء ، وحتى لا نقع في تكرار ما سبق أن ناقشناه - والقاسم لا يكاد يضيف في تأويلاته لها جديدا - سنتوقف أمام صفة الكلام في قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . والآية تجعل القاسم يثير قضية خلق القرآن ، وهي قضية خلافية حادة بين المعتزلة وأهل السنة بكل اتجاهاتهم ومذاهبهم ، وكان لها صدى سياسي سيّئ الأثر ، انتهى بالقضاء إلى ازدهار الفكر الاعتزالي . وقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، فذهبت المشبّهة إلى أن اللّه ، تعالى عمّا قالوا علوّا كبيرا ، يكلم بلسان وشفتين ، وخرج الكلام منه كما خرج من المخلوقين ، فكفروا باللّه العظيم حين ذهبوا إلى هذه الصفة . ومعنى كلامه ، جلّ ثناؤه ، لموسى صلوات اللّه عليه ، عند أهل الايمان والعلم ، أنه أنشأ كلاما خلقه كما شاء فسمعه موسى ، صلى اللّه عليه وفهمه » 110 . والقاسم هنا يريد أن ينفي عن اللّه صفة الكلام بمعناه الحسي الحرفي ، ويخرج من ذلك لمناقشة مشكلة خلق القرآن ، ويستدل على حدوث القرآن - الكلام الإلهي - بآيات أخرى من القرآن . ولا يخرج هذا الاستدلال بعمومه عن الآيات التي استدلّ بها القاضي عبد الجبار على حدوث القرآن وخلقه » 111 . والخلاف بين المعتزلة وخصومهم جميعا في هذه القضية ناشئ عن تحديد